أحمد بن محمد القسطلاني

76

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

من الإعانة ، وفي رواية الكشميهني في باب : استعانة المكاتب في الكتابة فأعيتني بصيغة الخبر الماضي من الإعياء والضمير للأواقي وهو متجه المعنى أي أعجزتني عن تحصيلها . قالت عائشة : ( فقلت ) لها ( إن أحب أهلك ) بكسر الكاف أو مواليك ( أن أعدّها لهم ) أي تسع الأواقي ثمنًا عنك وأعتقك ( ويكون ولاؤك ) الذي هو سبب الإرث ( لي فعلت ) ذلك ، ( فذهبت بريرة ) أي من عند عائشة ( إلى أهلها فقالت لهم ) مقالة عائشة - رضي الله عنها - لها ( فأبوا عليها ) أي امتنعوا ، ولأبي ذر في نسخة : فأبوا ذلك عليها ( فجاءت من عندهم ) وللحموي والمستملي : من عندها إلى عائشة ( ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالس ) عندها ( فقالت ) لعائشة ( إني عرضت ) ولغير أبي ذر : إني قد عرضت ( ذلك ) الذي قلته وكاف ذلك بالفتح في الفرع . وقال في المصابيح بكسرها لأن الخطاب لعائشة ( عليهم ) وللكشميهني : من ذلك عليهم ( فأبوا ) فامتنعوا منه ( إلا أن يكون الولاء لهم ) استثناء مفرغ لأن في أبى معنى النفي . قال الزمخشري في قوله تعالى في سورة التوبة : { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } [ التوبة : 31 ] . فإن قلت : كيف جاز أبى الله إلا كذا ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيدًا ؟ قلت : قد أجري أبى مجرى لم يرد . ألا ترى كيف قوبل : { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } بقوله : { ويأبى الله } وكيف أوقع موقع ولا يريد الله إلا أن يتم نوره . ( فسمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ذلك من بريرة على سبيل الإجمال ( فأخبرت عائشة - رضي الله عنها - النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) به على سبيل التفصيل زاد في الشروط فقال : ما شأن بريرة ؟ ولمسلم من رواية أبي أسامة ، ولابن خزيمة من رواية حماد بن سلمة وأحمد كلاهما عن هشام فجاءتني بريرة والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالس فقالت لي فيما بيني وبينها : ما ردّ أهلها . فقلت : لاها الله إذًا ورفعت صوتي وانتهرتها ، فسمع ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسألني فأخبرته ( فقال ) عليه الصلاة والسلام لعائشة : ( خذيها ) أي اشتريها منهم ( واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق ففعلت عائشة ) - رضي الله عنها - ما أمرها به عليه الصلاة والسلام من شرائها ، وهذا صريح في أن كتابتها كانت موجودة قبل البيع فيكون دليلاً لقول الشافعي القديم بصحة بيع رقبة المكاتب ويملكه المشتري مكاتبًا ويعتق بأداء النجوم إليه والولاء له ، وأما على قوله الجديد : إنه لا يصح بيع رقبته فاستشكل الحديث . وأجيب : بأنها عجزت نفسها ففسخ مواليها كتابتها . واستشكل الحديث أيضًا من حيث أن اشتراط البائع الولاء مفسد للعقد لمخالفته ما تقرر في الشرع من أن الولاء لمن أعتق ، ولأنه شرط زائد على مقتضى العقد لا مصلحة فيه للمشتري فهو كاستثناء منفعته ، ومن حيث أنها خدعت البائعين وشرطت لهم ما لا يصح ، وكيف أذن لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ذلك . وأجيب : بأن راويه هشامًا تفرّد بقوله واشترطي لهم الولاء فيحمل على وهم وقع له لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يأذن فيما لا يجوز وهذا منقول عن الشافعي في الأم ورأيته عنه في المعرفة للبيهقي ، وأثبت الرواية آخرون وقالوا هشام ثقة حافظ والحديث متفق على صحته فلا وجه لردّه ، وأجاب آخرون بأن لهم بمعنى عليهم كما في قوله تعالى : { وإن أسأتم فلها } [ الإسراء : 7 ] وهذا مشهور عن المزني وجزم به عنه الخطابي وأسنده البيهقي في المعرفة من طريق أبي حاتم الرازي عن حرملة عن الشافعي ، لكن قال النووي : تأويل اللام بمعنى على هنا ضعيف لأنه عليه الصلاة والسلام أنكر الاشتراط ولو كانت بمعنى على لم ينكره ، وأجاب آخرون بأنه خاص بقصة عائشة لمصلحة قطع عادتهم كما خص فسخ الحج إلى العمرة بالصحابة لمصلحة بيان جوازها في أشهره . قال النووي : وهذا أقوى الأجوبة ، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل ، وأجاب آخرون بأن الأمر فيه للإباحة وهو على وجه التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم فوجوده كعدمه فكأنه قال : اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم ، ويؤيد هذا قوله في رواية أيمن الآتية إن شاء الله